السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

390

مختصر الميزان في تفسير القرآن

وهذا كما أن اللّه سبحانه لو اضطر المشركين على الإيمان وخرج بذلك النوع الإنساني عن منشعب طريقي الإيمان والكفر ، وسقط الاختيار الموهوب له ولازم بحسب الخلقة الإيمان ، واستقر في أول وجوده على أريكة الكمال ، وتساوى الجميع في القرب والكرامة كان لازم ذلك بطلان نظام الدعوة ولغو التربية والتكميل ، وارتفع الاختلاف بين الدرجات وأدى ذلك إلى بطلان اختلاف الاستعدادات والاعمال والأحوال والملكات وانقلب بذلك النظام الإنساني وما يحيط به ويعمل فيه من نظام الوجود إلى نظام آخر لا خبر فيه عن إنسان أو ما يشعر به فافهم ذلك . فالمعنى : أعرض عنهم ولا يأخذك من جهة شركهم وجد ولا حزن فإن اللّه قادر أن يشاء منهم الإيمان فيؤمنوا كما شاء ذلك من المؤمنين فآمنوا . على أنك لست بمسئول عن أمرهم لا تكوينا ولا غير فلتطب نفسك . قوله تعالى : وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ السب معروف ، قال الراغب في المفردات : العدو التجاوز ومنافاة الالتيام فتارة يعتبر بالقلب فيقال له : العداوة والمعاداة ، وتارة بالمشي فيقال له العدو ، وتارة في الإخلال بالعدالة في المعاملة فيقال له العدوان والعدو قال : فيسبوا اللّه عدوا بغير علم وتارة بأجزاء المقر فيقال له العدواء يقال : مكان ذو عدواء أي غير متلائم الأجزاء . انتهى . والآية تذكر أدبا دينيا تصان به كرامة مقدسات المجتمع الديني وتتوقى ساحتها أن يتلوث بدرن الإهانة والإزراء بشنيع القول والسب والشتم والسخرية ونحوها فإن الإنسان مغروز على الدفاع عن كرامة ما يقدسه ، والمقابلة في التعدي على ما يحسبه متعديا إلى نفسه ، وربما حمله الغضب على الهجر والسب لما له عنده أعلى منزلة العزة والكرامة فلو سب المؤمنون آلهة المشركين حملتهم عصبية الجاهلية أن يعارضوا المؤمنين بسب ما له عندهم كرامة الألوهية وهو اللّه عز اسمه ففي سب آلهتهم نوع تسبيب إلى ذكره تعالى ما لا يليق بساحة قدسه